أي خبر

”قـال يا مقـال”

محمد إمام يكتب .. ”المهرجانات وزمن الفن القبيح”

الأحد 30 نوفمبر 2025 03:30 مـ 9 جمادى آخر 1447 هـ

تشهد الساحة الفنية المصرية, في السنوات الأخيرة، تراجعاً ملحوظاً في مستوى المحتوى الغنائي، خصوصاً فيما يعرف بأغاني المهرجانات التي باتت محل جدل واسع بعد أن تجاوز بعض مؤديها، الخطوط الحمراء فنياً وأخلاقياً، وقدموا للجمهور كلمات تخدش الحياء العام وتهدد السلم المجتمعي بصورة واضحة, ولم يعد الأمر مجرد نقاش حول اختلاف الأذواق، بل تحول إلى أزمة حقيقية تثير القلق بشأن تأثير هذا النوع من الأغاني على المجتمع والأجيال القادمة, وتجدد الجدل بصورة أكبر عقب انتشار الأغنية الأخيرة لمؤدي المهرجانات "إسلام كابونجا"، والتي أشعلت غضباً عارماً في الشارع المصري وعبر منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات صريحة لنقيب المهن الموسيقية بالتدخل الفوري لوضع حد لهذه التجاوزات وشطب كل من يسيء للفن أو يستغل اسمه للإضرار بالذوق العام.

وقد تفجر الجدل مؤخراً عقب انتشار الأغنية الأخيرة لمؤدي المهرجانات "إسلام كابونجا"، والتي أثارت موجة واسعة من الاستياء والغضب في الشارع المصري ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بسبب ما تضمنته من عبارات لا تتفق مع الذوق العام، وتمجد العنف وتتعارض مع القيم الأخلاقية للمجتمع المصري. وجاء من بين تلك العبارات "أصل أنا فإن دايك اسمك لفه في ورقة.. متشغلش الزرقا.. انت سوابقك سرقة.. وأنا جرايم نفس.. صيتك بله في ميه.. أنا مطوتي في إيديا.. تخش معاك مش جاية .. فوق يا اللي بتتطس", وهي مفردات أثارت حالة من الرفض الشعبي، معتبرين أنها لا تمت بصلة للفن أو الرسالة الثقافية التي يجب أن يحملها.

القلق الشعبي جاء مبرراً، خاصة في ظل انتشار تلك الأغاني بين المراهقين وصغار السن، الذين يتلقون هذا المحتوى دون تدقيق أو رقابة، فيتشكل الوعي وفق مفردات مشوهة ومشبوهة وقيم معطوبة بعيدة تماماً عن الأخلاق والفن الحقيقي, وهو ما دفع عدداً كبيراً من الأصوات الشعبية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي والسوشيال ميديا, للمطالبة بإجراءات حاسمة، تبدأ من مراجعة تراخيص الغناء والتصدي لأي محتوى يسيء للفن ويمس القيم المجتمعية، مروراً بتفعيل دور النقابات الفنية في محاسبة كل من يتجاوز، وصولاً إلى وضع ضوابط واضحة تضمن ألا يصبح الفن أداة لنشر الانفلات والفسق والفجور بدلاً من الارتقاء بالوعي.

المشهد الحالي يفرض علينا مقارنة مؤلمة بين ما كان وما أصبح, فمن زمن عمالقة الفن الجميل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وصباح، وفايزة أحمد، وشادية، وغيرهم، الذين حملوا رسالة فنية سامية تهذب الروح وتسمو بالنفس، إلى محتوى يفتقر لأبسط معايير الفن الحقيقي ويحمل بين طياته رسائل عنف وتدني وانحدار والأخلاق, لقد كان الفن في مصر مدرسة للقيم والجمال، يساهم في تشكيل الوجدان العام ويعكس صورة المجتمع الراقي, أما اليوم فقد أصبحت بعض الأغاني ساحة للفوضى اللفظية وتشويه الذوق العام.

آن الأوان لأن تعود للفن رسالته السامية، وباتت الحاجة ملحة لإعادة تقييم شامل للمشهد الموسيقي، حفاظاً على الهوية الفنية المصرية وحماية للأجيال القادمة, فالفن ليس مجرد كلمات وإيقاعات، بل هو قوة ناعمة تصنع الوعي وتبنى القيم, وإذا لم نتدارك الأمر سريعاً، فإن ما نخسره وسنخسره على مستوى الأخلاق والثقافة سيكون أكبر بكثير مما نتصوره, لذا أري أن مواجهة هذه الظواهر باتت ضرورة وطنية، تحفظ ملامح الشخصية المصرية، وتؤكد دور الفن كأداة للبناء لا للهدم، وكجسر للقيم لا منصة لنشر الانفلات اللفظي والسلوكي والأخلاقي .. والله من وراء القصد.

بقلم محمد إمام

[email protected]