”قال يا مقال”
محمد إمام يكتب .. ”نحتاج موظفاً بدرجة إنسان”
ليست كل الوظائف تحتاج إلى عبقرية خارقة، ولا إلى عشرات الشهادات والدورات التدريبية، ولا إلى موظف يحفظ اللوائح عن ظهر قلب.. هناك وظائف تحتاج قبل كل ذلك إلى مؤهل من نوع خاص، مؤهل لا يكتب في السيرة الذاتية ولا تمنحه أكاديمية، وهو أن يكون صاحبها إنسانا.
نعم، إنسان فقط.. يشعر بالضعيف، يساعد المحتاج، يرحم كبير السن، ويقدر ظروف المريض، ويدرك أن من يقف أمامه في طابور طويل قد يكون قد أمضى عمره في العمل، وأن ما يطلبه ليس منحة أو فضلا، وإنما حق كفله له القانون.
الإنسانية يجب أن تكون أحد أهم شروط العمل في الوظائف التي تتعامل بصورة مباشرة مع الجمهور، خصوصا كبار السن وذوي الهمم والمرضى وأصحاب المعاشات، هذه الفئات لا تحتاج إلى موظف يردد النصوص واللوائح فقط، وإنما تحتاج إلى ابتسامة، وكلمة طيبة، وسرعة في إنهاء الإجراءات، تحتاج من يمد لها يد العون بدلا من أن يتعامل معها بمنطق"فوت علينا بكرة يا سيد".
ولنا في منظومة التأمين الصحي مثال واضح، فهناك أصحاب معاشات ومرضى يتوجهون بصورة شهرية لصرف العلاج، ليجد بعضهم نفسه أمام إجراءات معقدة وطوابير طويلة، وأحيانا مئات من كبار السن ينتظرون منذ ساعات مبكرة، مع ما يفرضه ذلك من مشقة لا تتناسب إطلاقا مع حالتهم الصحية أو أعمارهم، السؤال هنا ليس عن اللوائح والإجراءات وإنما هل صممت هذه الإجراءات لخدمة المواطن أم لإرهاقه؟ نحن لا نتحدث عن رفاهية، وإنما عن ضرورة إعادة النظر في آليات تقديم الخدمة، نحتاج إلى تبسيط الإجراءات، وتقليل التكدس، وتطوير منظومة الحجز والصرف، وإيجاد حلول عملية خارج الصندوق تراعي طبيعة هذه الفئات، بدلا من تحميلها مزيدا من المعاناة.
والأمر نفسه ينطبق على منظومة التأمينات والمعاشات، التي تتعامل أيضا مع مواطنين بلغوا سن التقاعد، وحان الوقت ليحصدوا ثمار سنوات طويلة من العمل والاستقطاعات من رواتبهم، ليس منطقيا أن يبدأ المواطن مرحلة التقاعد بمواجهة البيروقراطية وسوء المعاملة وتعقيد الإجراءات.
وبالطبع، لا يجوز التعميم، فهناك نماذج مشرفة من الموظفين الذين يؤدون واجبهم بأمانة واحترام، ويقدمون صورة حقيقية للجهاز الإداري الذي نريده، لكن خطأ موظف واحد في موقع خدمي قد يهدم في دقائق ما تبنيه مؤسسة كاملة من ثقة لدى المواطنين.
لذلك، أرى أن الإنسانية يجب أن تكون أحد أهم معايير اختيار وتقييم الموظفين في هذه المواقع، إلى جانب الكفاءة والمهارة والانضباط وسرعة الإنجاز، فحسن التعامل، والقدرة على مساعدة المواطن، وتقدير ظروفه، ليست أمورا هامشية، وإنما معايير أساسية يجب أن تكون واضحة وقابلة للقياس، تخضع لنظام رقابة يضمن الثواب والعقاب.
نحن لا نطلب المستحيل.. نطلب فقط أن نتذكر أن خلف كل ملف مواطنا، وخلف كل رقم إنسانا، وأن الموظف في موقع الخدمة العامة لا يمثل نفسه فقط، وإنما يمثل المؤسسة التي يعمل بها،وفي النهاية، قد تتغير النظم، وتتطور التكنولوجيا، وتختصر الإجراءات، لكن يبقى أهم عنصر في أي منظومة خدمية هو الإنسان نفسه، لذلك نحتاج موظفاً بدرجة انسان.
بقلم محمد إمام
